فخر الدين الرازي

60

شرح عيون الحكمة

ثم إن « الشيخ » ابتدأ بذكر البرهان فقال : ان كل غير متناه ، فيمكن أن يفرض في كله حد ، ويفرض أبعد منه حد آخر في بعض الجهات فإذا توهمنا بعدا يصل بين الحدين مجتازا إلى غير النهاية ، لم يخل اما أن يكون ما يبتدئ من الحد الثاني لو أطبق على ما يبتدئ من الحد الأول لحاذاه وساواه ، ولم يفضل أحدهما على الآخر أو فضل . واعلم : أن هذا الكلام ظاهر . وذلك لأن الخط الذي لا نهاية له ، اما من الطرفين معا ، واما من أحد الطرفين وحده . فإنه يمكننا أن نفرض فيه نقطة ، فيكون ذلك الخط من تلك النقطة إلى ما لا نهاية له حطا . ونضم اليه من هذا الطرف المتناهى شبرا آخر ، فيكون هذا الخط من طرف هذا الشبر إلى ما لا نهاية له خطا آخر . فإذا أطبقنا في الوهم بين هذين الطرفين فاما أن يمتد إلى ما لا نهاية له من غير أن يظهر التفاوت بينهما أصلا ، أو مع أنه يظهر التفاوت . والقسم الأول باطل ، والا لزم كون الزائد مساويا للناقص . وذلك محال . وهذا القدر من البيان كاف في ابطال هذا القسم ، الا أن « الشيخ » بالغ في ابطال هذا القسم وقال : كل ما لو أطبق على شئ ولم يفضل عليه ، فليس بأنقص ولا بأزيد . فلو كان المأخوذ من الحد الثاني منطبقا على المأخوذ في الحد الأول من غير تفاوت لكان مساويا له من غير زيادة ونقصان . لكن المأخوذ من الحد الثاني كان أنقص من المأخوذ عن الحد الأول ، فيلزم أن يكون المساوى للشيء أنقص منه . وذلك محال . واما قوله : وان فضل فهو متناه ، فالجملة متناهية . فالمراد : أنه لما ثبت أنه لا بد وأن ينقطع طرف الخط الناقص . فنقول : انه متناه والفضلة أيضا متناهية والمتناهى مع المتناهى متناهي ، فيكون الكل متناهيا . وهو المطلوب . وأما قوله : بل الأمور التي لا نهاية لها هي في العدم ولها قوة وجود وكل ما حصل منها في الوجود يكون متناهيا . فاعلم : أن ظاهر الكلام فيه سؤال . وهو أن العدم نفى محض . فكيف يقال : الأمور التي لا نهاية لها هي في العدم ؟ والحكماء أشد الناس انكارا على من يقول : العدم شئ . وظاهر هذا الكلام انما يستقيم على هذا المذهب .